مخاوف المراهقة ... أسباب وحلول1/1

Publié le par prof khalid

مخاوف المراهقة ... أسباب وحلول 1/1

شابان في جامعة قاريونس الليبية


في نهاية يوم دراسي طويل مشحون بالحصص والواجبات، أخرج فهد قدمه من باب مدرسته الثانوية، وهو يتنفس الصعداء، وإذ بصوت صديقة الحميم خالد يصل إلى مسامعه ... فهد، فهد، فتوقف على الفور؛ ليلتفت إلى الوراء، وإذ بخالد يهرول إليه، قائلًَا: مرحبًا فهد، كيف حالك، لقد اتصلت بك البارحة بعد المغرب، لأتحدث معك قليلًا، لكني لم أجدك، أين كنت؟
فهد: نعم صحيح، كنت مع الوالد، ذهبنا نشتري بعض لوازم البيت، تصدق!!
خالد: ماذا؟
فهد: أبي لا يتركني أنزل من السيارة، ويقول لا انتظرني هنا، ولا يتركني أشتري أي شيء يقول لي: (أن البائعين يغلبونك، أنت ما تعرفهم)، وهذا الكلام لطالما كرره على مسامعي، منذ كنت صغيرًا.
خالد: إييييييه، يا فهد، حالتك جنة، وتعامل والدك معك قمة، هل تعيرني إياه ... هل تصدق؟
فهد: ماذا؟
خالد: تصدق إن الوالد يضربني بالعصا، وأنا الآن تجاوزت السابعة عشرة من عمري، يقول: (ادرس، ذاكر، اجتهد)، كأني لا أعرف مصلحتي، ولا أتحمل مسئولية نفسي؟ غير أنه طالما حقرني أمام أقاربي وجيراني، ولا يعتمد علي بأي شيء، ناهيك عن مزاحه الذي يسقطه على هيئتي وشكلي .. أقول لك يا فهد ما رأيك في شاربي؟
وانطلقت ضحكاتهما تدوي في الشارع وهما في طريقهما للبيت.  
حاجة المراهق إلى الشعور بالأمن
       لا تحسب أن القصة من وحي الخيال، إنها صورة حقيقة لا متخيلة عرفناها من خلال الاحتكاك بالشباب والسؤال عنهم، والتعرف على طريقة التعامل معهم، وأسلوب تربيتهم.
ولذا فهي فترة المراهقة ذاتها التي تحدثنا عنها سويًا من قبل، نتحدث عنها اليوم، ويجب ألا نمل الحديث عنها مرارًا وتكرارًا، خاصة إذا ما علمنا (أن المراهق يعيش فترة حرجه، فهي فترة انتقالية مؤقتة، يحكمها تغيرات سريعة؛ فهي غير مستقرة، وهذا الحرج ولاشك يؤثر على المراهق من حيث الاستقرار النفسي، والطمأنينة، والشعور بالأمن.
ومع أن الحاجة إلى الأمن والاستقرار حاجة مهمة للإنسان عمومًا، أشار إليها القرآن في مواضع عدة، وأشار إليها الرسول صلى الله عليه وسلم أيضًا في حديثه ـ إلا أن المراهق في هذه الفترة الحرجة المهتزة ـ يحتاج إلى الأمن والطمأنينة بقدر ما يعيش من تبدلات وتحولات عقلية ونفسية وانفعالية واجتماعية، فهو في حاجة ماسة إلى من يبث في روعه الاطمئنان، والأمن) [المراهقون دراسة نفسيه إسلامية، د.عبد العزيز النغيمشي].
تساؤلات حيران؟
(وفي هذه المرحلة تجدك حبيبي في الله تكثر السؤال عما يحدث لك من تغيرات عضوية جسدية، وأخرى عما يحدث لك من تغيرات في أحاسيسك ومشاعرك، وغيرها في انفعالاتك، وأيضًا في مواقفك الاجتماعية، تتساءل عن كل ذلك وغيره، وهنا لربما يدرك المراهق بعض الفزع والخوف في كثير من الأحيان؛ حيث يمر بتحولات جديدة وجوهرية، ويجد نفسه في حيرة من أمره:
كيف يتعامل مع نفسه ومع من حوله؟
وهل ما يفعله صحيح أم خطأ؟ مقبول أم مرفوض؟) [المراهقون، دراسة نفسية إسلامية، د.عبد العزيز النغيمشي].
ولعلنا الآن يا شباب أدركنا ما للأمن النفسي من أهمية في بث الاستقرار والطمأنية، في هذه المرحلة الرهينة لحسن تعامل المراهق مع نفسه، وكذلك حسن فهم وتفاعل بيئته معه.
(فالأمن النفسي شأنه شأن الأمن الغذائي والاقتصادي والصحي والسياسي، لابد من أن يكون الإنسان متحرراً من مشاعر الخوف والهلع والفزع والرهبة وعدم الأمن والأمان، وأن يكون مطمئناً على نفسه في حاضره وغده, وأن يكون متمتعاً بالتكيف النفسي والشعور بالرضا عن ذاته وعن المجتمع، وأن يكون على علاقة وئام وانسجام مع نفسه ومع المجتمع، ولا يشعر بالغربة وسط الزحام) [الاستشارات النفسية والسلوكية، موقع حلول].
أمَّا الآن فاسمح لي أن اصطحبك في رحلة قصيرة، أُبرِز لك فيها بعض معالم وأنواع الخوف، التي تلم بك وبأغلب المراهقين، ومن ثم تذهب بالأمن، وتهز حالة الاستقرار، حتى تكون منها على بينة وبصيرة، ثم اسمح بجولة أخرى قصيرة نستعرض فيها سويًا سبل التعامل مع هذه المخاوف، حتى يعم الأمن والأمان أركان نفسك، ويغمر الاستقرار حياتك، ومن ثم تنعم بالحياة.
المخاوف السليبة
       إننا الآن بصدد الحديث عن تلك المخاوف السليبة، التي تسلب الأمن، وتخطف الأمان، وتأسر حالة من الاستقرار، المراهق في أمس الحاجة إليها، وسنذكر خمسة من هذه المخاوف على امتداد لقائين، أولهما بين يديك الآن، ونعرض فيه لاثنين فقط ـ على أن نكمل الثلاثة المتبقية في لقاء آخر بإذن الله ـ وهما:
1- التخوف من تحمل المسئولية، وعدم النجاح فيها.
لا غرو أن المراهق في تلك المرحلة يظهر عنده الإحساس بالمسئولية ويتكون لديه الاستعداد النفسي لتحملها، وبالتالي يشرأب لمن يعزز لديه الاتجاه إلى المسئولية وممارستها، ولكن تربية بعض الآباء غير الواعية، تجعل في كثير من الأحيان المسئولية حلمًا مزعجًا يباغت الشباب، وحينما ترى شابًا كذلك، ارجع بصرك إلى والديه سترى تربية تقوم على تحقير الذات، وعدم منح الشباب الثقة والاعتماد عليهم في سن المراهقة وما قبلها، حتى في أبسط الأشياء، ومنها لا تستعجب تلك الدراسة التي قام بها (برنفنبرز) والتي (أشارت إلى وجود علاقة إيجابية، بين إحساس المراهقين بالمسئولية من ناحية، ومدى صداقتهم لوالديهم من ناحية أخرى) [سيكلوجية المراهقة، د. إبراهيم قشقوش].  
2- التخوف من التحولات الجسدية والشكلية.
أما النوع الثاني فهو التخوف من التحولات، والتبدلات الجسدية والفسيولوجية، وتغير الهيئة والوزن، والحجم، وكل ذلك يثير أحاسيس المراهق وتساؤلاته ومخاوفه؛ فهو يرى التغيرات الكثيرة والمتتالية، (ويبدأ يتميز تمامًا عن الأطفال، وتظهر عليه علامات البلوغ، والتي أشير إلى بعضها في غزوة بني قريظة، حينما كان يميز المسلمون اليهودَ بالسن والاحتلام، فلما تعذر عليهم في بعض الأحيان؛ بدءوا يميزون بمن نبت له شعر العانة ممن لم ينبت له) [بلوغ بلا خجل، د.أكرم رضا].
أما الآن وقبل أسلمك المفاتيح التي تجلب لك الأمن والاستقرار، وتجافي عنك تلك المخاوف السليبة بإذن الله، دعني أرسل ببرقية لأصحاب الكنوز البشرية من أمة خير البرية.
يا صاحبي الكنز
       إلى أصحاب الكنوز البشرية، إلى الوالد والوالدة، لقد عرف الله مكانتكم، وعظم الأمانة التي تلقى على كاهلكم، فقال رسوله صلى الله عليه وسلم لكم: (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته) [متفق عليه].
       إنكم بحق تملكون كنوزًا، إنها كنوز بشرية، هؤلاء الشباب من أبنائكم وفلذات أكبادكم، إن بذلتم لهم التربية، وأحطتم مرحلتهم تلك (المراهقة) بسياج الفهم العميق لمتطلباتها، وأعانكم الله على إخراج رجال يعلمون من الحياة غايتها، ويحملون المسئولية، ويتلذذون بنعمة الطمأنينة النفسية، وتتشبع لديهم الحاجة إلى الأمن (تلك الحاجة الفطرية)، فنعم ما ما فعلتم، وحُفظ لكم عند بارئكم ما صنعتم وأنشأتم، وهذه خطوات عملية تحمل إليكم فاتبعوها، لعل الأمن والأمان يظللان على أبنائكم، ويغمران حياتهم:
1-             القراءة والاطلاع على ما كتب عن هذه المرحلة، بالإضافة إلى الاستفادة من تجارب الغير.
2-             لنعلم أن الاهتمام ببناء شخصية الطفل منذ البداية وتنمية الميول والاتجاهات لديه؛ يساهم بشكل كبير في الحدِّ من مشكلات المراهقة.
3-             إشعار المراهق بأنه مسئول وتحميله للمسئولية من أفضل طرق التعامل معه، ومن أكثر ما يشعره بالأمن، وأكثر ما يساهم في ذلك خلق الأب مع ابنه وكذلك الأم جوًا من التعاون، والمشورة، والحوار.
4-             عدم المبالغة في الضغط والشدة والسيطرة من الوالدين، مما يتيح فرصة للمراهق للتعبير عن رأيه، ويمتلك ثقته بنفسه، وهذا من أكثر ما يجلب له الشعور بالرضا والأمان.
5-             أما لكي يذلل الآباء خوف المراهق من التحولات الشكلية و الجسدية، فلابد عند التعامل مع المراهق من:
أ‌-                 تجنب السخرية، والاستغراب، وعدم استهجان حاله، وما آلت إليه هيئته، وحجمه وشكله.
ب‌-           عدم وصفه بالصغر والطفولة والقصور؛ إذ أن وصفه بذلك يشعره باحتقار الآخرين له، واستهانتهم به.
ت‌-           ولابد من أن يُشعر الآباء الأبناء أن ما يحدث لهم من تغير، إنما هو أمر عادي متوقع ومقبول، ويبينوا لهم أن هذه التغيرات تحدث لكل الناس دون استثناء، وهو الذي تقتضيه سنة الحياة، كما أرادها الله، وهو الخالق المدبر جل في علاه.
نحو حياة مطمئنة
آن الأوان الآن، أن أسلمك مفاتيح الحياة الطيبة، والتخلص من المخاوف السليبة أخي الشاب المراهق:
أولًا: بالنسبة للعامل الأول من تلك المخاوف وهو الخوف من تحمل المسئولية، والنجاح فيها، فدعنا نتفق بداية، أنك إذا شعرت بأن المسئولية تمثل لك عقبة في حياتك، وفي تلك المرحلة التي تمر بها، فإننا الآن نريد سويًا، أن نحول العقبة إلى انتصار, واعلم أنه (غالبًا ما توجه الحياة الضربات إلينا، ويعود أمر التحكم في طريقة استجابتنا لهذه الضربات، ففي كل مرة نواجه فيها إحدى العقبات، تكون لنا فرصة لنا؛ لتحويلها إلى نصر, وكما يقول دابليو ميتشيل: "ليس الأمر هو ما يحدث لك في الحياة، ولكنه ما تفعله حيال ما يحدث لك") [العادات السبع للمراهقين الأكثر فاعلية، شين كوفي].
فينبغي أن تعي أخي في الله أنك في هذه المرحلة، تغادر مسرح طفولتك وملعب صباك لتطأ أعتاب شبابك, تلك مرحلة انطوت لم تكن فيها مسئولًا, أبوك وأمك كانا يتوليان رعايتك ويقومان بمسئولية تربيتك والإنفاق عليك, اليوم اختلف الأمر, ما زلت قريبًا منهما وتحظى بعنايتهما، لكنَّك لم تعد ذلك الطفل الصغير اللاَّهي, لقد تغيَّرت فيك أشياء كثيرة سواء في جسدك أو في مداركك العقلية, إنَّك الآن تدخل عالم الكبار.
هذا التغير الذي يحصل لكل فتى، يمثل انتقالة طبيعية له، لكنه أيضًا يمثِّل مرحلة جديدة في عالم المسئوليات, فمن (طفل لاه) إلى (رجل مسئول).
ولربما يكون للأسرة والبيئة المحيطة بالشاب دور في إحساسه بعدم القدرة على تحمل المسئولية، من خلال تجريده منها طوال حياته، واحتقاره وإحساسه بأنه مازال صغيرًا لا يستطيع أن يتحمل المسئولية، وإذا ما تحملها وجانبه النجاح، ينال من التوبيخ ما فيه الكفاية، وحين يحدث له ذلك تهتز ثقته فى قدرته على القيام بأى عمل وحده، ومع الوقت يصبح أسلوبه فى الحياة إما تسليم قيادته للآخرين أو الهروب من مسئولياته.
والحل يحتاج لتغيير بعض المفاهيم أو الأفكار لدى هذا الشخص، من أهمها أن يعرف أنه لن يستطيع الهروب إلى الأبد، وفكرة أن يحاول ويفشل أفضل من أن يظل خائفًا من التقدم خطوة نحو مسئولياته، فليس هناك نجاح بلا فشل، وليس صحيحًا أنه بهذا سوف يظل حرًا بلا ارتباطات؛ لأنه بتخليه للآخرين عن مسئولية قراراته وتبعيته الدائمة لهم سوف يفقد هذه الحرية تمامًا.
فاجلس مع نفسك في هدوء وردد على مسامعك (لقد ولَّى عهد التواكل والاسترخاء واللهو والعبث الطفولي، ودقَّت ساعة العمل الجاد، ففي هذا المعمل الواسع الكبير الذي اسمه الكون لي موقع بين مواقع العمل المسئول، أنا أصبحت رجلًا أتحمل المسئولية، مهما كانت الظروف).
ولكي تنجح في تحقيق ما سوف تكون مسئولًا عنه، تعلَّم أن:
1 . المسئوليات معرفة: اعرف تفاصيل المسئولية لتعرف ماذا يراد منك, واعرف أهميتها حتى تتفاعل معها وتسعى لتحقيقها.
2 . كن مشغولًا بما أنت عنه مسئول، فمن اشتغل بغير المهم ضيع الأهم.
3. لا تؤجِّل المسئوليات لأنَّها تتراكم؛ وبالتالي فقد تهمل لصعوبة القيام بها.
4. تعاط مع المسئولية بروح منفتحة وكأنك أنت الذي أخذتها على نفسك حتى تتمكَّن من إنجازها على أحسن وجه، أحبب المسئولية يتحسن إنتاجك.
5. المسئولية إثراء لأبعاد الشخصية، فبقدر ما تأخذ المسئولية من وقتك وجهدك تعطيك عقلًا أنضج، وقدرة على التحمل أكبر، وتجربة أغنى ، ومعرفة أوسع.
6. الكسل والضجر عدوان لدودان للمسئولية "إياك والكسل والضجر".
ثانيًا: بالنسبة للتخوف الثاني المتعلق بالتغيرات الشكلية والجسدية، فاعلم أخي في الله أنها سنة الله تعالى في خلقه، وفطرة فطر الناس عليها، وأنه لا تبديل لخلق الله، وهذا الذي أنت فيه أحسن تقويم، كذلك قال رب العالمين، فما يحدث لك من تغيرات هي أمور عادية تحدث لكل الناس دون استثناء، ثم لتعلم أنما خلقك الله في هذا الوجود لغاية عظيمة جليلة، فلا تصرف جل بصرك وفكرك، إلى جسدك وما حل به من تغيرات، أو هيئتك وخلقتك، لأن الإنسان لا يقاس بذلك البتة، إنما يقاس بتحمله لمسئوليته، بأهدافه، برجولته.
ولذلك جاء البيان من القرآن كاشفًا لحقيقة ذلك الأمر، مرسخًا لمفهوم العلو والجمال، لكنه الجمال الأهم، الجمال الرافع في درجات السماء، الجمال الذي يحبه ربنا ويرضاه، إنه جمال النفس حينما تتزين بالتقوى، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
وإلى أن ألقاك، فيما تبقى من نقاط، أسأل الله جل في علاه أن يمن عليك بالأمن والأمان، ويغدق عليك نعمة الاطمئنان، وأن يجعل فترة المراهقة سبيلًا لك نحو (شاب نشأ في طاعة الله).
المصادر:
1.   المراهقون دراسة نفسيه إسلامية    د.عبد العزيز النغيمشي.
2.   سيكلوجية المراهقة          د. إبراهيم قشقوش.
3.   بلوغ بلا خجل                     د.أكرم رضا.
4.   العادات السبع للمراهقين الأكثر فاعلية شين كوفي.
5.   الاستشارات النفسية والسلوكية      موقع حلول.
 

Commenter cet article