عالم الاستطلاع والاكتشاف

Publié le par prof khalid


أتدري متى يبدأ سلوكك الاكتشافي؟
هل تعرف ما المقصود بالحاجة إلى الاستطلاع؟
هل تعلم أن من الاستطلاع وحب الاكتشاف ما هو غير مفيد؟
ترى ما هي الأشياء الاستطلاعية والاستكشافية التي يقضي فيها المراهقون جل الأوقات؟
إن المراهقة مرحلة تستدعي كثيرًا من الحاجات، التي تلح على الشاب كي يؤديها، وأداء هذه الحاجات على الصورة الصحيحة، تؤذن بتوافق نفسي وعاطفي وعضوي كبير في حياة الشاب، وقد تحدثنا من قبل عن الحاجة إلى القبول، والحاجة إلى تحمل المسئولية والحاجة إلى الأمن، وها نحن الآن بصدد الحديث عن (الحاجة إلى الاستطلاع) ودخول المراهق إلى عالم الاستطلاع والاكتشاف، فمن المهم بداية أن يتضح لنا يا شباب أن (حب الإنسان للاكتشاف والاستطلاع، يمثل دافعًا مستقلًا، ولولا وجود هذا الدافع لما وسع الإنسان من إطار علومه ومعارفه الشيء الكثير) [المراهقون دراسة نفسية إسلامية، د.عبد العزيز النغيمشي، ص(117)].
       فدافع الاستطلاع يمثل الجذور الأولى للرغبة في المعرفة والاستزادة منها، إذ أن الإنسان يتعرف على الموضوعات النفسية والاجتماعية والبيئية، من خلال الاستطلاع والاكتشاف و السؤال؛ فيصل إلى الحقائق وإجابات المسائل، من خلال ذلك يلبي حاجته الاستطلاعية، بل في قرآننا مثال واضح البيان على ذلك، فقد عالج القرآن موضوعات عديدة بأسلوب السؤال والجواب، ودعا إلى التعرف على الكون والحياة والإنسان؛ بالنظرة المتفحصة والاكتشاف والمقارنات؛ فقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة: 189].
وقال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83)إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ آَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} [الكهف: 1].
وقال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} [طه: 105-107].
معالجة تربوية:
       وفي معرض حديثنا أيها الشباب عن الحاجة إلى الاستطلاع، قد يتبادر إلى الشخص سؤال، إن كانت الحاجة إلى الاستطلاع بهذه الأهمية، وأنها من ضمن الحاجات التي ينبغي على الشاب أن يلبيها، أليس من الممكن أن تكون هذه الحاجة ـ أي إلى الاستطلاع ـ غير ضرورية، أو غير هامة؟
       وهنا تتبدى لك إجابة السؤال بـ (بلى)، نعم أيها الشاب من الممكن أن تتعدى الحاجة إلى الاستطلاع حدودها الطبيعية، وتتجاوز إلى دائرة نفسية وتربوية غير مجدية، كما هو حال الدوافع والحاجات الأخرى؛ عندما تتجاوز الحد؛ ولذا وجدنا أن أسئلة أخرى طرحها القرآن ـ طرحت بدافع الاستطلاع ـ ومع ذلك لا يجيب عنها الشارع، ويصرف الإنسان عنها إلى المفيد المجدي.
ومن ذلك على سبيل المثال، قول الرحمن الرحيم: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا} [النازعات: 42-45].
       ومن ذلك كذلك، قوله جل جلاله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85].
السلوك الاكتشافي.. متى يبدأ:
       (إن ما يجب أن يتضح لنا عن جلاء، أن السلوك الاكتشافي والاستطلاعي يبدأ عند الإنسان من الطفولة الباكرة؛ فهو يجرِّب الأشياء، ويبحث عنها ويتعرف علي الجديد، وينجذب للأشياء الغربية.
وتتزايد هذه النزعة للاستطلاع بشكل سريع، وخصوصًا في السنوات الرابعة والخامسة من العمر، ويتمثل هذا في الأسئلة الكثيرة جدًّا والمتنوعة عن الأشياء والأشخاص والأحداث بمن، ولماذا؟ وكيف... إلخ) [المراهقون دراسة نفسية إسلامية، د.عبد العزيز النغيمشي، ص(119)].
(وقد دلت أبحاث عديدة على وجود ونمو هذه الحاجة عند الإنسان، منذ الطفولة) [أساسيات علم النفس التربوي، محي الدين توق وعبد الرحمن عدس، ص(152)].
حاجة نفسية:
       (وتعد ظاهرة الاستطلاع نوعًا من الدافعية الذاتية والحاجة النفسية، ترمي إلى تأمين معلومات حول موضوع أو فكرة أو حادث، حيث يرغب الفرد في الشعور بفاعليته، ومشاركته، وقدرته على الاكتشاف) [علم النفس التربوي، عبد المجيد نشواتي، ص(210)].
       وهذا ما نجد ترجمته في سلوك المراهقين، عندما يستطلعون، أو يسألون أو يغامرون، فهي حاجة ذاتية، تنبع داخل النفس، وتتطلب الإشباع، والتوجيه والاستثمار.
       وهنا نشير إلى أن تلك التغيرات التي تحدث لجوانب المراهق المختلفة؛ تعزز بقوة دافع الاستطلاع في مرحلة المراهقة، وخصوصًا في النواحي العقلية المعرفية، فهو يمتلك قدرات جديدة ومتميزة، يستطيع بها فهم الأشياء وتفحصها.
       ويتطلع المراهق إلى معرفة أوسع وأعمق عن الأشياء التي تواجهه، والأسئلة التي تقلقه، كما أن النمو العاطفي والانفعالي يجر المراهق إلى تجريب نفسه، واكتشاف ميوله؛ بدافع الاستطلاع، وقد يدعوه ذلك إلى المغامرة، والتعدي، ومجاوزة الحدود؛ لإشباع فضول، أو اكتشاف مجهول، كما هو الحال لبعض من يقع في التدخين، أو تعاطي المخدرات من المراهقين.
       ولذا فإن هذا الاستطلاع هو بعض ما يدعو المراهقين إلى كثرة الأسئلة، وكثرة القراءة، وإلى التجسس أحيانًا، وإلى المجازفة بالنفس.
       ومن الملاحظ اتجاه بعض المراهقين إلى اقتناء الكتب والقصص والصحف والمجلات، وقراءتها، والعكوف عليها، والاستمتاع بما تحويه من أحداث، وتحليلات، وقصص، ونماذج بطولية، وأفكار تغييرية.
       (وينجذب المراهق إلى هذه الأشياء؛ بسبب ما تلبيه هذه الأنشطة من حاجة الاستطلاع، والمغامرة والاكتشاف، وقد يلجأ المراهق إلى القراءة (الواسعة) في مجالات متعددة؛ بسبب ما يجده من عدم التقبل له في مجال ممارسة الأعمال والمسئوليات؛ حيث لا يجد ما يلبي رغبته من زاوية عملية واقعية، ولا ما يلبي رغبته في العمل والمسئولية) [المراهقون دراسة نفسية إسلامية، د.عبد العزيز النغيمشي، ص(121)].
نماذج لاستطلاعات المراهقين:
       وها هنا يمكن أن نشير إلى بعض الأفعال، والأنشطة الاستطلاعية، التي يتجه إليها بعض المراهقين، والتي تأخذ حيزًا كبيرًا من وقتهم، وجزءًا بالغًا من اهتمامهم، وقد تغلب على حياتهم، وتستأثر بميولهم ورغباتهم، وقد ترسم شخصياتهم؛ ومن بين تلك الأنشطة:
-       المكتشفات والمخترعات: (فهذا مما يجذب الشباب، القراءة عن المكتشفات والمخترعات، وعن الغرائب والمجاهيل، والقراءة في كتب المذكِّرات والرحلات الاستكشافية حول الأرض، وبين القارات، وفي البحار، وفي المناطق الخطرة، وهذه المذكرات والأنشطة الرحلية تستخدم الجذب والشد؛ بوسائلها المختلفة وغرائبها ومكتشفاتها) [المراهقون دراسة نفسية إسلامية، د.عبد العزيز النغيمشي، ص(121)].
وينشد المراهقون، أيما إنشاد لهذا النوع من النشاط، لما فيه من الاستطلاع، والتعرف على الجديد والغريب، ولما فيه من الاكتشاف، وحل المشكلات، والخروج من المآذق، ويغرق بعض المراهقين في هذه النشاط، ويهلكون أوقاتهم فيه، وينصرفون عن الأعمال الإيجابية، والأنشطة الواقعية، البحثية والعملية، وقد يفقدون التوازن في النظرة، وفي الشخصية، من جراء ذلك.
-       قصص المغامرات والبطولات: ومن بين هذه النشاطات التي نتحدث عنها، المشاهدة والقراءة في قصص المغامرات والبطولات الوهمية، وروايات العنف والعصابات، وهذا أمر شائع في المجتمع المعاصر، وخصوصًا في أوساط المراهقين والمراهقات؛ فقد امتلأت المكتبات بكتب المغامرات وقصص العصابات، وبالروايات التي تقوم على الصراع.
وينشد المراهقون هذا النوع من النشاط أيضًا؛ لما فيه من الإثارة والغرابة والجدة، ولما يشتمل عليه من حل للمشكلة عبر الصراع والمجازفة، ويشبع المراهقون بهذا نهمهم الاستطلاعي، وميولهم التخيلية، ورغبتهم في المغامرة والاكتشاف؛ ولهذا يستغل الكتاب والقصاص، والناشرون هذه الحاجة البارزة في الناس ـ وخصوصًا عند المراهقين ـ لتسويق أكبر عدد من المنشورات في هذا المجال.
-       نشاط الرحلات: فهذا لا يخفى عليكم يا شباب، فكثير من المراهقين يميلون إلى ممارسة نشاط الرحلات والقيام بأسفار قصيرة وطويلة، ومما يشدهم إلى ذلك؛ اشتمال تلك الرحلات على أنشطة استطلاعية، كزيارة منشآت جديدة، أو غربية، وزيارة الأماكن الطبيعية الملفتة والعجيبة؛ كالجبال المرتفعة، والشلالات المائية... إلخ، والرحلة بحد ذاتها تعتبر نشاطًا استطلاعيًا عندما تقصد مكانًا ما لأول مرة.
وكثيرًا ما يقوم الشباب أنفسهم بتنظيم هذه الرحلات، وغالبًا ما تكون هذه الرحلات ضربات موجعة لعفاف الشباب وحيائهم، وسمتهم وأخلاقهم؛ حيث تكون مجالًا خصبًا لممارسة التفلت والحرية المذمومة، حيث يقوم بإشباع حاجاته دون ضوابط وحدود، ويغرق في تتبع الشهوات وإتلاف الأوقات.
لكن من الحق أن نقول أن بعض هذه الرحلات، تكون ناحجة مفيدة مثمرة، وتميل بظلالها على الشباب، وتكسبهم كثيرًا من المعاني، وذلك حينما تكون الرحلات الاستطلاعية والترفيهية، تحوي بين طياتها برنامجًا شاملًا ومتوازنًا، يراعي جميع جوانب الشخصية لدى المراهق، ووفق المتطلبات الفكرية والخلقية للمجتمع.
-       الاكتشاف والتجريب: وهذا آخر ما نختم به الحديث عن هذه الأنشطة، حيث يعمد بعض المراهقين، بدافع من الاستطلاع والتعرف، إلى تجريب أنفسهم، وتجريب الأشياء من حولهم؛ لاكتشاف الآثار والنتائج، ومن ثم الحصول على المتعة، أو التسلية، أو لفت الانتباه، ومن ذلك أن يجرب الشباب مثلًا شرب السجائر، (تلك العادة البغيضة لمرأى العين، الكريهة للأنف، ذات الضرر على المخ، الخطيرة على الرئتين، تتراءى عمليتها في مشهدها أقرب إلى تصاعد أبخرة سوداء، ورائحة مقززة، من هوة ليس لها قرار) [كيف تقولها للمراهقين، ريتشارد هيمان، ص(516)]، وكذلك تجريب قيادة السيارة بطرق قيادية معينة؛ لإحداث الجديد والملفت، أليس هذا واقعًا يمر بنا؟؟
هذا بالإضافة إلى التجريب في هيئاتهم وملابسهم، وأشكال شعورهم، لمعرفة النتائج أو الرجع الذي تحدثه هذه التجارب عند الجنس الآخر، أو عند الناس عمومًا، وكذلك تجريب المخدرات وبعض العقاقير.
وهذا حقًا مما ابتلي به شباب العصر، حيث يقع كثير من المراهقين فريسة المخدرات، وغيرها، ففي البداية حب استطلاع، وتجريب، غير مؤمل أن يكون من أصحاب هذه الأشياء، لكن ما يلبث أن يتقهقر وتسحبه التجربة، ويهوي به حب الاستطلاع.
وبعد ذلك ينبغي أن نقول، أن للأسرة دورًا خطيرًا وهامًا، في تربية الأبناء على مهارة حب الاستطلاع المفيد المثمر، والتطلع لكل ما هو نافع.
وكذلك فإن على الشباب، أن يتفكروا في هذا الأمر الهام (الحاجة إلى الاستطلاع)، بل عليهم أن يقفوا مع أنفسهم وقفة تأمل وتفكر: ما الذي يجب أن يقوموا باكتشافة واستطلاعه، وما هي الفائدة التي تعود عليهم من ذلك، وما هي الأشياء التي يجب أن يأخذوا على أنفسهم عهدًا ألا يجربوها ولا يفتحوا بابها الخبيث، حتى لا تعود عليهم بآثارها السلبية، بل أحيانًا القاتلة، وأظن أن كل شاب يرى كل يوم أمامه مثالًا حيًا لكل من الفريقين: فريق يستطلع النافع المفيد، وفريق يهوي به استطلاعه إلى وادٍ سحيق، وفي كل عبرة لمن كان له هدف وغاية، وألقى مرحلته بين يديه، لينهل منها كل ما هو مفيد.
فهذا أكثر ما يعينك على أن تستطلع وتبحث وتكتشف ما يفيدك أنت، أتدري ما هو؟ تحديد الهدف، نعم تحديد الهدف مسبقًا (بمعنى أنك ترسم تصميمًا معماريًا "لمرحلتك" قبل أن تبدأ في البناء، وتقرأ الوصفة قبل أن تخبز كعكة للمرة الأولى).
ولاشك أننا في حاجة ماسة لبسط القول في قضية التعامل مع الحاجة إلى الاستطلاع، سواء من خلال معرفة كيفية تنمية القدرة على ضبط الاستطلاع، أو كيفية منع التعدي الاستطلاعي... إلخ، وهذا ما سوف نشق له سويًا واديًا جديدًا للحديث في مقالات قادمة بإذن الله تعالى.
المصادر:
المراهقون دراسة نفسية إسلامية، د.عبد العزيز النغيمشي.
أساسيات علم النفس التربوي، محي الدين توق وعبد الرحمن عدس.
علم النفس التربوي، عبد المجيد نشواتي.
كيف تقولها للمراهقين، ريتشارد هيمان.

Commenter cet article

alae 27/06/2009 02:21

شكرا على المواضيع القيمة بالتوفيق وننتظر منك المزيد ان شاء الله

prof khalid 11/07/2009 23:26


lkjjhhggg